عنوان الكتاب: مستقبل الإسلام في الغرب والشرق.
المؤلف: مراد هوفمان، عبد الحميد الشرفي.
الناشر: دار الفكر، دمشق، ط1، 2008م.
عدد الصفحات: 260.
لم يكن الإسلام بوصفه دينا ومنظومة حضارية حية ليحوز كل هذا الاهتمام والمتابعة لولا احتواؤه على عناصر ومقومات ذاتية تؤهله ليحتل هذه الرتبة المتقدمة، سواء بين الأديان السماوية أو بين الشرائع والمنظومات الوضعية. وقد عرفت الدراسات والأبحاث المتناولة للإسلام إثر انهيار المنظومة الشيوعية تزايدا مطردا لجهة بلورة رؤية واضحة عن البديل الحضاري أو التحدي الجديد الذي بات الإسلام يشكله للمنظومة الغربية برمتها.
وإذا كانت الدوافع السياسية والاقتصادية قد لعبت دورا مهما في تضخيم الجوانب السلبية من حياة المسلمين ووسمها وإلحاقها بدينهم، فإن التركيز على الدوافع السياسية والاقتصادية ينبغي ألا يبخس من حق الإسلام ومقوماته الذاتية التي آلت أخيرا إلى تبوئه المرتبة الأولى عالميا من حيث عدد الأتباع.
في ضوء المعطيات المتقدمة، يطرح هذا الكتاب حوارية ذات موضوع شديد التعقيد، يتعلق باستشراف مستقبل الإسلام في كل من الغرب والشرق، في ظل التحديات التي يواجهها داخليا وخارجيا، وفي ضوء المعطيات والمقومات القائمة ومدى قدرة المؤثرات والظروف المحيطة على تحفيز أو تثبيط الاندفاعة الكبيرة التي يشهدها نمو المعتنقين للإسلام اليوم.
سؤال المستقبل في الفكر الإسلامي
يعترف الشرفي في مفتتح بحثه بكون السؤال عن المستقبل بالنسبة للفكر الإسلامي هو سؤال جديد لكون المسلمين قد قضوا قرونا عدة وهم يترقبون قيام الساعة ويرصدون علاماتها وأماراتها؛ ما ولد نظرة تشاؤمية حيال تتابع الأزمان ومدى سوئها لمجرد ابتعادها عن زمن الرسالة الطهوري، دون أن ينكر خطورة استشراف مستقبل الإسلام ودخوله في النهاية في خانة الغيب. ثم يضع محددات لعمله الاستشرافي، فيقصي في ابتداء حديثه عن الإسلام “نصوصه التأسيسية وقيمه المميزة باعتبارها غير خاضعة في حد ذاتها للمؤثرات التاريخية”، موضحا أنه سيهتم بالمقابل “بطرق فهم تلك النصوص وتأويلها ووضعها في سياقها أو عزلها عنه، وبتمثل تلك القيم في أوضاع معينة مرتقبة” (ص15).
ثم لا يلبث الشرفي أن يضعنا في سياق الفروقات والاختلافات التاريخية بين عصور الإسلام الأولى وعصرنا الراهن بما حققته الكشوف العلمية من إنجازات أفضت إلى تحولات عميقة، معتبرا أن من أهم نتاجاتها تراجع رتبة الدين عن أن يكون العمدة في تفسير الظواهر الاجتماعية والطبيعية، وتبوؤ الإنسان لمحور العلوم والمعارف والاكتشافات، وما ينبني على ذلك من تبعات على المسلمين أن يتقبلوها ويتعاملوا معها.
نقد العلوم الإسلامية: علم التفسير
على الرغم من تأكيد الشرفي على محورية النص القرآني ومرجعيته بالنسبة للمسلمين، فإنه يعتبر أن هذا النص “لا يقرأ قراءة مباشرة بقدر ما يقرأ عبر نصوص ثوان تدون تأويلاته وتوظيفاته التاريخية المتعددة” (ص26). ويذهب مع البحوث اللسانية الحديثة إلى التأكيد على أن كل نص “مهما بدا معناه واضحا وصريحا إنما يخضع فهمه لمواصفات اللغة التي كتب بها ولقواعدها، ولكنه يخضع كذلك عند قراءته لشخصية القارئ وثقافته، مثلما يخضع للظروف التاريخية التي تتم فيها القراءة” (ص27)، نافيا في النهاية وجود قراءة “بريئة” للقرآن الكريم تتجاوز جميع المعطيات المتقدمة.
ويحاول الشرفي التدليل على أثر صدمة الحداثة بالنسبة لعلم التفسير من خلال سرد أسماء تفاسير حديثة حاولت “تحيين هذا الفن” حتى يتماشى مع معطيات العصر على حد زعمه (تفاسير الشيخ محمد عبده وطنطاوي جوهري وابن عاشور ومتولي الشعراوي وغيرها)، إلا أنه يرجع فشلها في تبوؤ مرتبة متقدمة إزاء التفاسير القديمة إلى تقيدها “بالأسيجة التي وصفها العلماء المسلمون في القديم وجمعوها فيما يسمى بعلوم القرآن” (ص28)، مطالبا بمراجعة عدد من “المسلمات” قبل الإقدام على عملية تفسير القرآن، من قبيل إصرار المفسر على وجود معنى وحيد للنص القرآني ووجوب اكتشافه من قبل المفسر بواسطة أدوات علوم القرآن (وكأن أحدا من المفسرين يزعم ذلك!) وأن يتبنى المفسر عقلية كونه طارحا لتأويل شخصي مدعم بالأدلة دون أن ينفي بقية التأويلات، مؤكدا على ضرورة استبعاد مقولات علم الكلام في التعامل مع النص القرآني، وتوظيف علم الاجتماع واللسانيات وغيرها من العلوم الحديثة في تفسير النص القرآني، واعتماد الوحدة الموضوعية للآيات والسور بدلا من تشظي التفسير وإضاعة المغزى في خضم التفسير الجزئي للآية، مستبشرا أن المستقبل في ضوء مقترحاته التي بات كثير منها في حيز التطبيق سيكون “لتأويلية (هرمنوطيقا) جديدة تفسح المجال لقراءة النص القرآني قراءات متعددة تستجيب لحاجات المؤمنين إلى معان متناغمة مع ظروفهم المستجدة” (ص33).
تجاوز مقولات علم الكلام
يبني الشرفي مواقفه من علم الكلام على ما يعده “اتفاقا” بين الدارسين على مواجهة علم الكلام لأزمة مصداقية حقيقية، ليسبر أغوار الحلول المقدمة لتأسيس علم كلام جديد يوفق بين المقولات الكلاسيكية والنظريات الفلسفية الحديثة. ويبحث في مدى تأثر نشأة علم الكلام تاريخيا بعوامل “الانتقال الطبيعي من الإيمان العفوي المبكر إلى مرحلة الإيمان المعقلن الباحث عن الأدلة والبراهين.. (و) صلته بالظروف السياسية التي شهدت تناحر الصحابة وتقاتل المسلمين على الحكم… والاحتكاك بالفلسفة اليونانية ومقولاتها المنطقية والفيزيائية” (ص36-37)، ليدعو إلى تقديم المعطى الإيماني يما يناسب ما سماه “المعقولية الحديثة العقلانية وحدها” (ص37) وتوظيف مكتسبات العلوم الحديثة في تعزيز حجج وبراهين هذا العلم.
ويرى أن ارتباط علم الكلام بالسياسة “لم يجن منه الدين سوى التدجين والتبعية، وحال دون أن تظهر في أوساط المسلمين طوا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ